اسماعيل بن محمد القونوي

232

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الصورية أن المخالفة في الحقيقة مخالفة وصفية وأما المخالفة الذاتية فلا يعبأ بها لكون المعتبر في الأحكام الحقية وعدمها كما قررناه آنفا . قوله : ( مراعى فيها ) صلاحها فإن جزئيات الأحكام للأمراض القلبية ولكمال الأعضاء الظاهرة بمنزلة الأدوية والأطعمة تختلف نفعا وضرا بحسب الأشخاص والأزمان ويراعى فيها صلاح من استعملت له كذلك الأحكام تختلف بحسب الأزمنة ( أي مراعى فيها صلاح من خوطب بها حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه ) . قوله : ( ولذلك قال عليه السّلام لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ) خصه بالذكر مع أن سائر الأنبياء كذلك لأن الحديث الشريف ورد لما قاله عمر رضي اللّه تعالى عنه وسببه أن عمر رضي اللّه تعالى عنه استأذنه عليه السّلام في أشياء كتبها من التورية ليقرأها فيزداد علما فقال عليه السّلام لو كان موسى حيا الخ أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما كما قيل ولهذا خص به فسوق الحديث يدل على أن منعه ليس لدعوى الفضيلة بل للإشارة إلى أن الأحكام في هذا الزمان ما نطق به القرآن لا ما يدل عليه التورية فإن ذلك إن وافق ما في شرعنا فهو معلوم من شرعنا وإن خالفه فلا يجوز العمل به لكونه منسوخا بمقتضى مراعاة صلاح هذه الأمة رحمة منه تعالى ومنة فما الفائدة يا عمر في كتب أشياء نطقت بها التورية ويعلم بمفهومه أن الشأن في سائر الأنبياء كذلك فمن ذهل عن هذه الدقيقة الرشيقة اعترض على المصنف بالمغلطة الواهية كما هو عادته بلا داعية والقول بأن التخصيص لأن موسى عليه السّلام من أعظم أولي العزم شريعة وكتابا ليس بمناسب هنا على أن أعظم أولي العزم إبراهيم عليه السّلام على القول المختار ومعنى إلا اتباعي أنه يكون عاملا بشريعتي لا بشريعته لكونها منسوخة بشريعتي ولا يقدح ذلك في كونه نبيا كعيسى عليه السّلام فإنه يعمل بشريعة نبينا عليه السّلام بعد النزول من السماء فاتضح أن قوله ولذلك قال عليه السّلام دليل أني لما ذكره كما أن ما ذكره برهان لمي لقوله عليه السّلام . قوله : ( تنبيه ) خبر لقوله وتقييد المنزل ( على أن اتباعها ) أي الكتب الإلهية ( لا ينافي الإيمان به ) أي بما أنزل ( بل يوجبه ) لكونه مصدقا لها ( ولذلك ) أي لاتباعها يوجب الإيمان به ( عرض بقوله بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به ) والتعريض أن يذكر شيء يدل به على أمر لم يذكر وقال ابن الأثير في المثل السائر التعريض هو اللفظ الدال على معنى لا قوله : تنبيه على أن اتباعه لا ينافي الإيمان به ضمير اتباعه عائد إلى ما في بِما أَنْزَلْتُ وهو عبارة عن القرآن وضمير به إلى ما في قوله : لِما مَعَكُمْ [ البقرة : 41 ] المعبر به عن كتابهم الذي هو التورية أي تنبيه على أن اتباع القرآن لا ينافي الإيمان بالتورية بل يوجبه لأنه مصدق بما فيها لا مكذب . قوله : ولذلك عرض أي ولأن اتباع القرآن المنزل عليهم لا ينافي الإيمان بكتابهم بل يوجبه عرض سبحانه بقوله : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [ البقرة : 41 ] بأن الواجب عليهم أن يكونوا أول من آمن به أي بالقرآن وجه التعريض بذلك المعنى أن النهي عن الشيء إيجاب لضده .